
لو أنني كنت أتنازل عن القليل من وقتي لاستيعاب ما يقوله مدرس اللغة العربية بخصوص النصوص المقررة بدلا من إضاعة معظمه في محاولة البحث عن بعض ما تقوله تلك النصوص وكل ما أغفلت أن تقوله، لو أنني اتبعت الوصفة الجاهزة لكتابة موضوع التعبير الذي يرضي الذائقة الأخلاقية لمصحح التوجيهي، عوضا عن استعانتي بهندسة مجنونة للنص، لما كنت خسرت قدرا كبيرا من الدرجات بصورة أثرت بالطبع على مستقبلي ككل، ولكنني أقترفت أخطاء كثيرة من هذا القبيل كانت بأية حال ستدفعني عند تخوم الكتابة بشكل أو بآخر.
الكتابة علاقة مركبة بينك وبين ما تحب أن تكونه و ما تسعى إلى تجنبه، أنت في الكتابة تمارس السياحة بين أقصى نقطة ترغبها و أدنى نقطة تخشاها، أنت تجوب الفراغ في داخل ذاتك المتضخمة بفعل الخيال، وترغب في ممارسة نوع من أحلام اليقظة المعلنة، ويمكنك دائما لو اتبعت نمطا روائيا متقنا أن تعترف بكل شيء وأن تمتلك في المقابل أقوى أدلة النفي لكل ما قلته، ما تكتبه ليس أنت تحديدا.
صحيح أن الكتابة لم تعد تستهوي النساء اللواتي أصبحن – ومعهن كامل الحق – في مرمى العالم المتخيل والمجاني بكثافة واستمرارية في التلفزيون و السينما والمجلات الملونة والانترنت، لقد جردتك الدنيا من فضيلة الحلم فإما أن تقول شيئا مجديا كاعتراضك على كشف حسابك في المصرف أو أن تصمت نهائيا. أنا ولد ثرثار وكاتب مزعج – وكثيرا ما تفاقمت حالتي تلك مع اضطراري لاستخدام الكمبيوتر في الكتابة دون مسودات - والمشكلة أنني أجد بعض من يعيرونني الفرصة لأكتب، ولذلك فعلى المتضرر من كتابتي أن يخاطب ممسوسا آخر بالكتابة - ربما أكثر مني بكثير – وهو أحمد سلامة ليعفيني من هذه المهمة.
القصة بدأت بصورة اعتيادية لولد يمتلك قدرة جيدة على الحفظ أضافت لحافظته بجانب سور جزئي عم وتبارك، مئات من القصائد و فصولا كاملة من كتابات المنفلوطي وأحمد بهجت و نجيب الكيلاني، وأصبحت المكتبة الملاذ المناسب من حرارة الجو و عجزي عن تغطية المهام الملقاة على كاهلي كأقصر حراس المرمى في المدرسة، وبالتالي كان يجب أن يحدث ذلك اللقاء مع مآسي شكسبير، مع هاملت تحديدا في ترجمة موسيقية أظنها كانت للويس عوض، أتذكر سذاجتي عندما اعتقدت بملكيتي الشخصية لذلك الاكتشاف المدهش، ولكن ومع الوقت اكتشفت أن هاملت تحديدا يعيش في الجميع بصورة أو بأخرى، وأن أسئلته ألقت بكثيرين من قبلي في نفس الحلقة المفرغة، وأن آخرين يمتلكون حقوق الملكية الفكرية بأفضل الطرق لسرقة هاملت واقتباسه واستعارته على سبيل تبادل النكد وتعاطي شتى آفات الحزن والضيق الناشئ عن محاولات التحذلق لفهم العالم في الطفولة.
اكتشفت عدة طرق أيضا لتجنب المأزق الهاملتي ، وأصبحت أنصح أي أب عاقل بأن يركل طفله بعنف إذا اكتشف أن أسئلته تحمل ميلا فلسفيا وفضولا من الدرجة العاشرة لفهم الوجود، ربما تسقط بعض أسنانه ولكنه سيحافظ على ثبات عقل الطفل ورجحانه في سنوات مقبلة، أيضا وللهروب من مصائر (أكون أو لا أكون) أنصح السيدات باستبدال اللوحات المقلدة على جدران المنزل بصورة مكبرة لورقة المائة دولار الشهيرة، التي يمكنها أن تحسم مأزق هاملت وبقية أنواع الملمات العصرية بسرعة وبأقل قدر ممكن من الخسائر.
أزمة هاملت أنه مقيم ، شيء يشبه الظل، وبالسقوط في عقدة هاملت وجدنا أشخاصا كثيرين على شاكلة يوسف شاهين وزياد رحباني و تعرفنا ايضا على شواهد لقبور مبكرة لأمل دنقل و مؤنس الرزاز و عشرات من الهاملتيين، ولكن أظن أنني نجوت في الوقت المناسب، في الحقيقة أتمنى أن يتحول ظني إلى واقع وأن أعتزل الكتابة، بكثير من التجرد أتمنى أن ينقذني أحد من الكتابة، كنت أقول أنني تعافيت من عقدة هاملت، ولست أراه الآن أكثر من أمير دنمركي مدلل كان يكفي أن يقطع عنه المصروف وأن يلقى في الشوارع الخلفية لأي مدينة على ساحل المتوسط ليكف عن أسئلته المزعجة، ويرسل باعتذاره الشديد لوالدته طيبة الذكر وعمه المبجل يلتمس العفو عنه وإعادته للقصر، دون أن يتسبب في كل هذه الضجة التي سحبت أذيالها على تراب القرون وغبارها.
للأسف في الوقت ذاته أصبت بأزمة منتصف الكتابة، عقدة ماكبث.. أشعر برغبة ملحة في الركض ليلا... لأهتف : كلمات .. كلمات .. كلمات .
إنها ليست سوى كلمات
سامح
جريدة الهلال الخميس 4 آيار 2006.
No comments:
Post a Comment