Friday, December 01, 2006

رحلة غاندي الصغير


العنوان مقتبس من اسم رواية للأديب اللبناني إلياس خوري "طبعا خوري أحد أروع الروائيين العرب، ولكنه لا يجيد تسويق نفسه ويكتفي كثيرا بلعب دور الظل لمحمود درويش" لمن لا يعرف فخوري هو مؤلف رواية باب الشمس التي أخرجها المصري يسري نصر الله للسينما بدعم فرنسي ولم تلق سوى نجاح محدود في دور العرض السينمائية العربية، وأيضا هو مؤلف رواية "يالو" و رواية "مملكة الغرباء" التي نشرتها سلسة كتاب في جريدة قبل سنوات، بالفعل اللبنانيون مغرمون بشخصية غاندي ففي بلد يقوم على أساس معادلة طائفية صارمة تصعد صورة المعلم "غاندي" كأحد الحلول الدرامية المقترحة للخروج من المأزق، بصراحة وخارج النص تأثرت كثيرا اليوم بمشاهد التظاهرة الحاشدة التي دعى لها سماحة السيد " حسن نصر الله" في بيروت ظهر اليوم، ولكنني أيضا استمتعت قليلا فالمعارضة اللبنانية فضحت أيضا زيف وبؤس حركات المعارضة العربية إياها
المهم يبدو أن لبنان قررت أخيرا أن تبلس غاندي ثوب الجنرال لتدفع بإلياس خورى لكتابة الجزء الثاني من رحلة غاندي الصغير تحت عنوان أوراق الجنرال غاندي

Monday, May 08, 2006

دوائر مدببة الأطراف (1) الهلال

عندما وقعت الواقعة على جريدة الهلال، وتم إغلاق الجريدة وحبس ثلاثة من كادرها وهم رئيس التحرير ناصر قمش والمدير العام رومان حداد و كاتب المقال الأزمة مهند المبيضين، كانت تجربة الهلال الصحفية في ذروتها ولعلها كانت تمثل قمة نضوج تجربة الأسبوعيات في الأردن، فبرغم الاختلاف الشديد على شخصية أحمد سلامة مؤسس الجريدة الذي يمكنك أن تصنفه حيثما شئت، وأن تجد دائما مبررات قوية لعداوته ومبررات أقوى لصداقته، إلا أنه يمتلك مكانة متميزة أصبحت من المعلوم بالضرورة في الأوساط المهنية للصحافة الأردنية، فالرجل من القلائل الذين جمعوا بعدا ثقافيا لتجربتهم المهنية التي أخذت منحى روائيا في السنوات العشرة الأخيرة، برغم ذلك الاختلاف الذي يمكن أن تجعله موضوعيا أو حماسيا وأن تستند فيه لقواعد مهنية أو شخصية تماما إلا أن أحمد سلامة استطاع أن يجد توليفة نادرة مكنته من صناعة تجربة الهلال في أعدادها الأولى، التي بدا واضحا أنها تنوي تغيير معادلة الصحافة الأسبوعية في الأردن والخروج من توابع تجربة نايف الطورة في البلاد.
ذلك كله أصبح حلما برسم النوايا الطيبة بعد أزمة إغلاق الهلال وحبس الثلاثي المذكور، الذي كان يمثل المطبخ المهني للتجربة، ناصر قمش بانفتاحه كرئيس تحرير مستعد دائما للدخول في متاهات مطولة ووعرة للدفاع عن حرية كتابه وهامشهم المتاح، شخصية مثل المياه الهادئة التي تضطرك دائما لأن تتخذ مزيدا من الحذر، ليس هناك ضمانات أو وعود مسبقة ولكن الكثير من الحماس في العمل مع شخصية تمتلك مفاتيح استفزاز الآخرين بايجابية (وسلبية إن لم تجدي الطريقة الأولى)، رومان حداد بحماسه الذي يدفعه دائما لتبني أكثر الأفكار إثارة للجدل ،(الاحتجاجي) بحكم الانتماء والممارسة، والمثقف بأكثر ما يلزم لصحفي عصري، ومهند المبيضين الحالة المتقدمة من صوفية المعرفة، الذي يبدو وكأنه نزوة تاريخية من زمن الوراقين ومدرسة الكوفة واعتداد النحاة القدامى، ذلك كله تحول إلى تاريخ بعد محنة الحبس التي أفرزت للصحافة الأردنية صورة للصحفي ركلته التفاصيل إلى أحضان التجربة، ويبدو أن اثنين على الأقل من أفراد الثلاثي أصبحا يتعاملان مع الصحافة من منطلق جردة الحساب، ويصران ألا يخرجا من لعبتها خاسرين.
ما أكتبه وما أنوي أن أكتبه للتاريخ ، ولكنه ليس تاريخا في حد ذاته، إنها تلصصات شخصية على عالم لم أنغمس فيه بالكامل، ولست أملك القدرة على التطهر منه أيضا، إرث شخصي من الرغبة في القول التي أجهضت دائما بالصمت الاضطراري رغبة في تجنب وجع الرأس في مجادلات لا طائل من ورائها، رغبة في الاعتراف كثيرا ما ضاعت بين ذهب المعز وسيفه، ولكن ليست تاريخا بقدر ما هي فعل مضارع متصل بآلة اللوم الذاتي التي لا تهدأ، والتي تنكأها باستمرار رغبة في الانعتاق بحاجة لصيانة دائمة كيلا تتحول إلى حالة مقيمة من الهذيان.
أنوي أن أكتب ولكن ليس في سياق نظام محدد فقد اكتفيت وشبعت من جميع التعليمات وأستطيع أن أذكر مائة من الوصايا
التي كثيرا ما ظننتها مقدسة، ولم تكن في حقيقتها أكثر من خدعة للحيلولة دون تمكيني من إفساد كعكة العالم
سامح .

هاملت الآخر


لو أنني كنت أتنازل عن القليل من وقتي لاستيعاب ما يقوله مدرس اللغة العربية بخصوص النصوص المقررة بدلا من إضاعة معظمه في محاولة البحث عن بعض ما تقوله تلك النصوص وكل ما أغفلت أن تقوله، لو أنني اتبعت الوصفة الجاهزة لكتابة موضوع التعبير الذي يرضي الذائقة الأخلاقية لمصحح التوجيهي، عوضا عن استعانتي بهندسة مجنونة للنص، لما كنت خسرت قدرا كبيرا من الدرجات بصورة أثرت بالطبع على مستقبلي ككل، ولكنني أقترفت أخطاء كثيرة من هذا القبيل كانت بأية حال ستدفعني عند تخوم الكتابة بشكل أو بآخر.
الكتابة علاقة مركبة بينك وبين ما تحب أن تكونه و ما تسعى إلى تجنبه، أنت في الكتابة تمارس السياحة بين أقصى نقطة ترغبها و أدنى نقطة تخشاها، أنت تجوب الفراغ في داخل ذاتك المتضخمة بفعل الخيال، وترغب في ممارسة نوع من أحلام اليقظة المعلنة، ويمكنك دائما لو اتبعت نمطا روائيا متقنا أن تعترف بكل شيء وأن تمتلك في المقابل أقوى أدلة النفي لكل ما قلته، ما تكتبه ليس أنت تحديدا.
صحيح أن الكتابة لم تعد تستهوي النساء اللواتي أصبحن – ومعهن كامل الحق – في مرمى العالم المتخيل والمجاني بكثافة واستمرارية في التلفزيون و السينما والمجلات الملونة والانترنت، لقد جردتك الدنيا من فضيلة الحلم فإما أن تقول شيئا مجديا كاعتراضك على كشف حسابك في المصرف أو أن تصمت نهائيا. أنا ولد ثرثار وكاتب مزعج – وكثيرا ما تفاقمت حالتي تلك مع اضطراري لاستخدام الكمبيوتر في الكتابة دون مسودات - والمشكلة أنني أجد بعض من يعيرونني الفرصة لأكتب، ولذلك فعلى المتضرر من كتابتي أن يخاطب ممسوسا آخر بالكتابة - ربما أكثر مني بكثير – وهو أحمد سلامة ليعفيني من هذه المهمة.
القصة بدأت بصورة اعتيادية لولد يمتلك قدرة جيدة على الحفظ أضافت لحافظته بجانب سور جزئي عم وتبارك، مئات من القصائد و فصولا كاملة من كتابات المنفلوطي وأحمد بهجت و نجيب الكيلاني، وأصبحت المكتبة الملاذ المناسب من حرارة الجو و عجزي عن تغطية المهام الملقاة على كاهلي كأقصر حراس المرمى في المدرسة، وبالتالي كان يجب أن يحدث ذلك اللقاء مع مآسي شكسبير، مع هاملت تحديدا في ترجمة موسيقية أظنها كانت للويس عوض، أتذكر سذاجتي عندما اعتقدت بملكيتي الشخصية لذلك الاكتشاف المدهش، ولكن ومع الوقت اكتشفت أن هاملت تحديدا يعيش في الجميع بصورة أو بأخرى، وأن أسئلته ألقت بكثيرين من قبلي في نفس الحلقة المفرغة، وأن آخرين يمتلكون حقوق الملكية الفكرية بأفضل الطرق لسرقة هاملت واقتباسه واستعارته على سبيل تبادل النكد وتعاطي شتى آفات الحزن والضيق الناشئ عن محاولات التحذلق لفهم العالم في الطفولة.
اكتشفت عدة طرق أيضا لتجنب المأزق الهاملتي ، وأصبحت أنصح أي أب عاقل بأن يركل طفله بعنف إذا اكتشف أن أسئلته تحمل ميلا فلسفيا وفضولا من الدرجة العاشرة لفهم الوجود، ربما تسقط بعض أسنانه ولكنه سيحافظ على ثبات عقل الطفل ورجحانه في سنوات مقبلة، أيضا وللهروب من مصائر (أكون أو لا أكون) أنصح السيدات باستبدال اللوحات المقلدة على جدران المنزل بصورة مكبرة لورقة المائة دولار الشهيرة، التي يمكنها أن تحسم مأزق هاملت وبقية أنواع الملمات العصرية بسرعة وبأقل قدر ممكن من الخسائر.
أزمة هاملت أنه مقيم ، شيء يشبه الظل، وبالسقوط في عقدة هاملت وجدنا أشخاصا كثيرين على شاكلة يوسف شاهين وزياد رحباني و تعرفنا ايضا على شواهد لقبور مبكرة لأمل دنقل و مؤنس الرزاز و عشرات من الهاملتيين، ولكن أظن أنني نجوت في الوقت المناسب، في الحقيقة أتمنى أن يتحول ظني إلى واقع وأن أعتزل الكتابة، بكثير من التجرد أتمنى أن ينقذني أحد من الكتابة، كنت أقول أنني تعافيت من عقدة هاملت، ولست أراه الآن أكثر من أمير دنمركي مدلل كان يكفي أن يقطع عنه المصروف وأن يلقى في الشوارع الخلفية لأي مدينة على ساحل المتوسط ليكف عن أسئلته المزعجة، ويرسل باعتذاره الشديد لوالدته طيبة الذكر وعمه المبجل يلتمس العفو عنه وإعادته للقصر، دون أن يتسبب في كل هذه الضجة التي سحبت أذيالها على تراب القرون وغبارها.
للأسف في الوقت ذاته أصبت بأزمة منتصف الكتابة، عقدة ماكبث.. أشعر برغبة ملحة في الركض ليلا... لأهتف : كلمات .. كلمات .. كلمات .
إنها ليست سوى كلمات
سامح
جريدة الهلال الخميس 4 آيار 2006.

Sunday, May 07, 2006

نوري،، هاملت يهجر الحديقة


سهرة لن تتكرر في صيف أظنه ينتمي لـ2002 قبل سقوط بغداد لأننا لم نتحدث وقتها عن الموت كثيرا ، تحدثنا فقط عن بعض الموتى، ثمة فرق كبير بين الموت والموتى ، ضمن ضرورات الحديث عن الصداقات الغاربة تكلم سيد حجاب عن نجيب سرور وعبد الرحمن الأبنودي فعرفت الهامش المتاح بين تعريف الموت ووصف الميت، ،
بعد منتصف الليل بكثير بجوار بائع القهوة تحت جسر دوار الداخلية، سيد حجاب و نوري الجراح ومحمد فرحان وسليم النجار وأنا، كان سيد حجاب يستعين بدفء الليل المواتي لاشتقاق الذكريات، بلحظة واحدة أطل البحر الغائب عن مشهد عمان ليختبر أبناءه الذي ضلوا طريقهم في ليلة مواتية كما قلت للتذكر،
الذاكرة بوابة لعينة للحديث والحالات النفسية التي تدفعنا للكلام من وضعية التذكر مخادعة تماما، إن أسوأ الاعترافات تلك التي يمكن أن يدلي بها رجل على حافة النعاس لأنه يشبه الغرق(غرق صغير ويومي .. بروفة متواصلة للصمت المفاجئ)، النعاس يفقدنا التركيز ويجعلنا نتورط في ترهات الكلمات الاستثنائية والشهادات الاستثنائية و الأوقات الاستثنائية.
نتمرد بطريقة أو بأخرى على التمثال الذي يضعه بعض الناجحون على مكاتبهم لثلاثي القردة الذي تجسد فضيلة (لا أسمع لا أرى لا أتكلم).
نوري الجراح كان صامتا ينعى بعينيه الثملتين عالما لم يقبل استمارة عضويته وأبقاه في صفوف الانتظار حتى أستأذن بالانصراف إلى أزقة روحه وشوارعها الضيقة، مختنقا بذكرياته ومراراته التي تختفي وراء مساحيق المرح المصطنع الذي لا يختلف استدعائه عن فتح زجاجة اضافية من الكولا في ظهيرة حارة.
أذكره لأنني أستعير مقولته اليوم..

فلأعترف بمرح قبل أن أساق لأعترف وقد فقدت مرحي.
****
نعم .. ليس ثمة كثير من المرح في الانتظار.

تملق


كل ما تسألني كيفك بتذكر اني مش منيح
يعني بتعرف لو بلاه هالسؤال
اومي لي بأيدك بس تلتقي فيي
بكون ممنونك
يعني لانه صراحة انا مش منيح
بس معقول تقلي كيفك وقل لك مش منيح
بدك موضوع من غيمة انت
اذا سمعت اني مش منيح بدك تسألني ليه
وخود بقى اذا خبرتك ليه
ما بعود بس مش منيح
بتصير حالتي تتدهور انا وعم برويلك
تركني خيي انا بيني وبين حالي ماشي
عأساس ياللا منيح ماشي الحال
ماشي انا والحال
كيف الحال
كيفني انا
واكيد مش منيح
بس انا مظبطها مرجلجها
وما بفكر فيهاولا مرة سألت حالي عالعالي
كيفك منيح
وهالأيام ماشية سيبا بهمها يا أخي
وخلينا نسلم بالوما
زياد رحباني
زياد راسبوتين

أروى صالح .. مونفيستو الوداع

أحد المفاصل الصعبة التي يواجهها أي طالب مدرسي في محاولاته الإبداعية الأولى ، تتمثل في تنطع مدرس اللغة العربية قبل من أن يصرح باستعلائية عدائية ومنفرة بأن ما كتبه الطالب لا يشتمل على المكونات الأساسية للقصة أو الشعر ، وأنه لم يكتبها بالطريقة الاعتيادية وكثيرا ما استسلم مبدعونا لفوبيا الشكل في أعمالهم ، وهذا تحديدا ما تحررت منه أروى صالح في المبتسرون1 ، لم يكن لديها ولو أقل القليل لتخسره كامرأة تكتب مونفيستو الوداع لزمن يذوي وراءها ، ولحياتها بعد ذلك بسنوات ، الحياة التي وضعت حدا اختياريا وشجاعا ومنطقيا لها ، لو تأني أحد في قراءة المبتسرون ، لو فكر بإزاحة الستار الذي كانت أروى تلقي شهادتها من ورائه (ربما ممكسة بكوب من الشاي المر وسيجارة رخيصة) لأدرك طبيعة النوايا التي الانتحارية التي حملتها طويتها ، إنها ليست سيرة ولا رواية و لا عملا معرفيا تلك المادة التي قدمتها أروى صالح ضمن المبتسرون بل كل ذلك ، إنها سيرة تتجاوز ومحددات الذات وتضاريس الروح ، لتتوغل في تفاصيل الوجع وتبحر في أسمى درجات الهوس الاكتئابي الدافع الأكثر روعة و رعبا للإبداع الإنساني
لا تختفي أروى صالح وراء المنهجيات والخطط المسبقة ، وإنما تقدم نفسها وباقتضاب لتقول لنا أن القضية لم تكن أروى وآلاف غيرها من الشبان والفتيات أبناء اليسار الستيني والسبعيني ، وإنما كانت معركة حقيقية ومؤلمة مع الوهم والكذب والخداع الذي سيقت له تلك الأجيال لتلاقي مصائرها الأكثر تراجيدية ، من كانوا أقل حساسية من أروى تمكنوا من العيش ولكن بندبات خفية تنكأ موسيقى الخراب في أقصى دواخلهم ، إنها امرأة تأخذني لمسرح اللعب ثم تمضي للصف الأخير لتضحك على استلابنا لحكايات الأراجوز التي لا تنتهي ثم تجهش دفعة واحدة في البكاء ..
في طبعة شعبية ومتواضعة ظهرت النسخ الألف من كتاب المبتسرون قبل أن يفلس الناشر ويتحول الكتاب إلى وثيقة نادرة في مستواها الفكري ووجودها الفعلي، وأصبحت الرسالتين الشخصيتين إضافة إلى السردية المباشرة و الحميمية كثيرة الاستدراكات التي استعملتها أروى ، تضعان الكتاب ضمن فن السيرة ، وإن تجاوزت أروى السيرة الذاتية بمفهومها الضيق كسرد مجموعة من الأحداث تركز على دور الراوي (البطل / صاحب الخدعة الأساسية في تقمص النبوات المبكرة) لتهب الثقل المركزي في عملها للحالة ، وتصبح هي في موقع المفعول به ، صاحب التجربة الذي عانق وحلها مبكرا وليس يحمل وصفة ما لتجنبها ، كل ما يملكه حيال هذا العالم المنتفخ بالزيف ابتسامة رثاء و اغضاءة موجعة عن احتفالية السقوط ، أروى في وسط ذلك كله المرأة التي خرجت إلى الدنيا بوعي الهزيمة ، هزيمة الوطن وتشظيها السرطاني في أرواح أبنائه ، الراوية الحزينة القلقة التي تناقش الآخر (نحن.. وربما الأكثر براءة وهشاشة) دونما مسلمات وعظية
فقط رغبة حانية في إعادة صياغة يائسة للعالم الذي امتهن وأد الأحلام والنيات الطيبة
كنت قد كتبت هذا العمل وأنا أقول أنه لأجل ” الأجيال القادمة ” وقد قرر الحظ أن يسعدني فيقابلني رأسا بمجموعة من جمهوري المختار ……. هل تكتب هذه السيدة لمجرد “جلد الذات” ؟ لماذا لا تكتبين الرواية بدلا من ذلك؟ ……. لكن أحدا لم يتوقف عند أفكار الكتاب ……. الجزء الوحيد الذي استلفت نظر الجميع لم يكن قد كتب كجزء من الكتاب أصلا، وهو عبارة عن رسائل شخصية – كنت أظنها شخصية جدا)) 2
بهذه الفقرة المبتسرة والتي عملت على اختصارها في الأفكار الأساسية دونما إخلال بالمتن الذي تملكه أروى وحدها ، تتضح عملية تماهي الجماعي والمشاع في الشخصي والخاص ، إعادة ولادة للشخصية قبيل قرار الموت بقليل القليل ، إننا لا نشهد في سيرة أروى التي يمكن أن نحكيها بأكثر من طريقة تلك السردية الذاتية التي تعتمد على شخصية الراوي ومهارته اللغوية ، وإنما نصبح طرفا أصيلا في التجربة الحياتية بقدر ما نكون شركاء في إثم التغييب والنسيان ، إن أروى تصنع قارئها المنحاز والمتوتر من اللحظة الأولى الذي يستسلم فيها لكلماتها ذات الصيغة الديمقراطية والمفتوحة والقابلة للاختزال في نظريات صارمة والإطناب في حوارات جانبية بالدرجة نفسها،، إنه حوار ذاتي (ثنائي / مع آخر عاطفي ومصطنع) يصعب حصره أو الحديث عنه ، امرأة وقفت لتحكي وتفضفض وتكتب رسالة مطولة ، رسالة استنجاد!!
أروى صالح ابنة التجربة الطلابية اليسارية المصرية في بداية السبعينات والتي اعتنقت الشيوعية، وأصبحت عضوة ( استخدمها عضوة برغم رثاثتها اللغوية في العربية الذكورية) 3 تنظيمية نشطة ، بل أصبحت حياة الحركة الطلابية بصخبها ومآزقها واقعها اليومي المعاش ، أعادت محاكمة الجيل الثوري ، بطريقة ليست انتهازية كتلك المراجعات الاستهلاكية التي ظهرت بغوغائية بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وسيادة النمط الرأسمالي على مفردات الحياة العربية، لقد أعادتها بطريقة واضحة ومباشرة ولا تخلو من براءة (برغم مسوح الواعظ التي ارتدتها أحيانا) إنها جرد حساب مطول وموجع لخسارات حياة عاشتها بين هزيمتي 1967 وليلة الانتحار في 1998 ، لامرأة عادية تماما وإن لم تخل عينيها من غواية ما ربما تعود لطبيعتها الفصامية 4 ،،قسمت أروى رؤيتها للمناضل (المثقف) إلى نموذجين ، ابن البرجوازية الصغيرة (ذلك الذي يعجز عن فهم العالم فيحاكمه)5 وابن البرجوازية الكبيرة (الأناني البريء) ، وربما لم تدرك أروى أنها بذلك أقصت نفسها ، أو ربما وضعتها في مرحلة هشة بين التصنيفين ، فأروى وفق المقاييس الاجتماعية لا تنتمي للبرجوازية الصغيرة ، ولم تكن شريكة في عوالمها ، كما أنها كانت دون تلك الطبقة الرأسمالية الطفيلية (أحيانا الارستقراطية)، وبذلك يمكننا أن نصدقها في أحكامها تجاه الطرفين ، ويمكننا أن نتهمها أيضا باستعارة الآخرين للاختباء الذي لم تتمكن من اجتيازه حتى نهاية شهادتها (سيرتها / الجمعية البعيدة عن الأنانية)
في فصل المثقف عاشقا تغادر أروى المثقفة ، لتفسح كرسيها لأروى الأنثى المرهقة والمحبطة (الفاشلة في الحب /أصعب تجليات الهزيمة الذاتية) ، فصل تفتتحه بعدوانية غير قابلة للتسوية أو المساومة ،
(( يسلك المثقف 6 في علاقته بالمرأة كبرجوازي كبير : أي كداعر ، ويشعر ويفكر تجاهها كبرجوازي صغير مفرط في المحافظة ، ويضيف إلى ذلك من عنده عدة اكتسبها من سياحته وسط كل طبقات المجتمع دونما سلاح يستعين به في معركة الحياة سوى شطارته ، وتلك هي عدة الاحتيال فيجمع إليهما أخلاق البروليتاريا الرثة(فالأخلاق ليست “عدما”!) )) 7
يعد ذلك الفصل تحديدا أعتى هجوم تعرضت له بطريركية الذكورة العربية في الأدبيات العربية كافة ، وأقسى مراجعة لأخلاقيات الطبقة المتوسطة (المحافظة والباردة/ عدا فيما يمس مصالحها) ، فقد وصلت أروى إلى ذروة الوجع الذاتي ، وتخلت عن قضم أظافرها لتنشبها في لحم الحقيقة بسادية تجاه أروى المخدوعة والغريرة المتكومة على ذاتها في داخل أروى المجربة و الملولة ، إنها تكفر بكل القيم حتى وقبل أن تعيد مراجعتها وتفكيكها ،
(( الحب هنا أشبه بالعادة السرية ، فالمهم فيه ليس الشخص الذي يفترض أنه موضوع هذا الحب ، بل الحالة التي تضع فيها محبنا البرجوازي ، الإثارة التي يقدر الآخر على إشعالها فيه ،…… ))8
أعادت أروى صياغة أخطائها القديمة في التصورات التي أفرزتها حالة الاسترجاع المطرد لإحباطها العاطفي ، مترافقا مع أزماتها في العمل والتي انتهت بفصلها لتجد نفسها خارج حسابات الزمن وليس بوسعها سوى أن تحاكمه، محاكمة حريرية تصلح أيضا كحبل لمشنقة ، إن الرجل الذرائعي والانتهازي والجبان ، صاحب النفس التبريري لما يتلاءم مع أغراضه وظروفه الشخصية ، أصبح صورة البرجوازي الذي لم يكن لشيوعية سابقة أن تجد أردأ منها لتدخل في صراعها الأخير معها ، الصراع بين قيم المنتصر ومنطق المهزوم ، المعركة التي تفتقر لأوليات العدالة، إن نبذ الروح لم يكن إلا ليترافق مع تغييب الجسد لدى ذلك المنطق الصارم الذي اتخذته أروى في تفنيدها لأوهام الحب والعلاقة بين الرجل والمرأة، والتي لا يمكن أن تمضي سوى لقدرها الأكثر اكتمالا وشاعرية (الموت) .. ذلك القتل المتعمد الذي ينطلق من جميع الجهات ، من الوعي ومن البراءة ، بشفقة وبسادية لم يكن قتلا إلا لمجرد اللذة ومحاولات تحقيق الذات ، وللخروج من اللعبة حاولت أروى أولا أن تتخلى عن معركة تحقيق الذات وأوهامها ، ولكنها اضطرت فيما بعد أن تتخلى عن الذات كلها ، لتعانق عدمها كتسوية أخرى لرفضها المستمر الخضوع للقانون السائد وعجزها عن مواجهته ..
(( الشغل لفظني لأني متعالية على قانون العلاقات فيه، وفي نفس الوقت مش قادرة أحمي نفسي المتعالية من القوانين دي ، وده هو القانون في كل مكان تفتكر إن العمل في الكتابة محتاج جلد أقل ؟ .. لو عايزة أمارس نشاط مش لازم صراع مع اللي باشتغل معهم ومع الناس نفسها ، قبل ما يكون مع الخصم؟ .. تصور أول خوف محرق عبر عنه في بداية علاقتي بالسياسة ، هو إني – بالحرف- ” ما باحبش الصداع” ! لكن حتى في الرقعة الصغيرة اللي ابتديت اتعلم فيها الحياة في الشغل، اتفرض عليا الصراع رغم انفي ، رغم ابتعادي عن كل مصادره المتصورة ، رفضوا إني اتفرج عليهم بتعالي ، وكان المطلوب كسر أنفي المتعالي بالذات (ما كانش فيه معركة فلوس ولا منصب).. )) 9
الوثائق التي ألصقت بمتن المادة الأولية لتصبح جزءا أساسيا من المبتسرون تمثلت في رسالتين طويلتين بلغة الحديث اليومي لرجل ثالث غيبت اسمه متعمدة ، هو غير بهاء نقاش الذي أهدت له الكتاب ، و الرسالتان تحملان فكرتين أساسيتين ، الاغتراب المعنوي والغربة الفعلية ، فالأولى كتبت بعد فصل أروى من العمل ، والثانية كتبتها أثناء تواجدها فيما يشبه المنفى الاختياري في اشبيلية الأسبانية ، كما أن تلك الرسائل تعد حقلا خصبا لتحليل شخصية أروى والدخول إلى المناطق الملتبسة التي نالها العطب والخراب بعد تجربتها الحياتية الاستثنائية تجربة تبادل الأدوار بين ((أنا)) و ((نحن)) والاختباء في المسافات المحرمة بين الحلم والواقع ، والتعلق بمثيري أجمل الفتن وأخطرها ، صلاح جاهين ، كونديرا ، ماركس ، هيجل ، وحتى عبد الناصر بعد تخليصه من إرث الأبوة والوصاية ،
إن المبتسرون تتعدى في شكلها مفهوم السيرة دون أن تغادره تماما ، ولكن تبقى أروى صالح أكثر شجاعة من كتابة سيرة اعتيادية لا تعدو مجرد حفلة تأبين ذاتي يحتفي فيها الراوي بنجاحاته التي مكنته من كتابتها أساسا ، قبل أن يهتم بقارئه الذي يريد أكثر من اسطوانة تحقيق الذات التي وقع فيها معظم من تورطوا في كتابة سيرتهم الذاتية فأصبحت أشبه بالواجب المنزلي المتعلق بالدروس المستفادة من النص (الأكثر مقتا من بين الواجبات المدرسية كافة)..
(( فالواقع أن “سكة اللي يروح ما يرجعش” ليست سكة ثالثة، إنما هي كامنة في قلب اللحظة التي تقامر فيها بوجودك لتتبع حلما ، ويستوي بعد ذلك أن تسير في سكة السلامة أو الندامة ، فأنت حتما لن تعود أبدا نفس الشخص الذي كنته قبل أن تبلوك غواية التمرد ، وليس فقط لأنه جميل ، فلأن التمرد لحظة حرية استثنائية ، استثار كل ما فينا من نبالة وأيضا أهاج كل ما فينا من وحشية)) 10
الهوامش
______________
1) صدر كتاب (( المبتسرون .. دفاتر واحدة من جيل الحركة الطلابية)) سنة 1997 قبل انتحار الكاتبة بعدة أشهر ، ولم يلق سوى ذيوع محدود في الأوساط الثقافية بعد رحيلها.2) اختصار مكثف لفقرة استغرقت أكثر من صفحة كاملة ضمن نفس الفكرة.3) تحتفظ العربية بتغييب للأنثى في الصفات ذات الطبيعة الرسمية ، كأنها عنصر خامل في حراك المجتمعات التي تنطق بها ، وكم بقيت مقولة (العرب لا يؤنثون الرأس ولا يرئسون الأنثى) أحد الأقانيم اللغوية الصارمة، الانجليزية لا تختلف كثيرا ، التفريق والتفعيل للأنثوي موجود في اللغات اللاتينية الايطالية خاصة.4) بالأحكام النمطية تعد أروى امرأة متوسطة الجمال ، لكنها تملك أنوثة مبادرة .. دافئة .. وحسية .. أمومية وشعبية .. نموذج أكثر عصرية لبنات بحري لوحة محمود سعيد الأشهر.5) التوصيف لأروى صالح ، ضمن شغفها في توصيف عدة حالات ونماذج للحياة الثقافية في الستينيات والسبعينيات.6) رجل بعينه مثل لأروى حالة كاملة ، ليس بهاء النقاش ، وليس الشخص الذي توجهت له برسائلها في الفصل الأخير.7) المبتسرون .8) المبتسرون .9) المبتسرون .10) المبتسرون