عندما وقعت الواقعة على جريدة الهلال، وتم إغلاق الجريدة وحبس ثلاثة من كادرها وهم رئيس التحرير ناصر قمش والمدير العام رومان حداد و كاتب المقال الأزمة مهند المبيضين، كانت تجربة الهلال الصحفية في ذروتها ولعلها كانت تمثل قمة نضوج تجربة الأسبوعيات في الأردن، فبرغم الاختلاف الشديد على شخصية أحمد سلامة مؤسس الجريدة الذي يمكنك أن تصنفه حيثما شئت، وأن تجد دائما مبررات قوية لعداوته ومبررات أقوى لصداقته، إلا أنه يمتلك مكانة متميزة أصبحت من المعلوم بالضرورة في الأوساط المهنية للصحافة الأردنية، فالرجل من القلائل الذين جمعوا بعدا ثقافيا لتجربتهم المهنية التي أخذت منحى روائيا في السنوات العشرة الأخيرة، برغم ذلك الاختلاف الذي يمكن أن تجعله موضوعيا أو حماسيا وأن تستند فيه لقواعد مهنية أو شخصية تماما إلا أن أحمد سلامة استطاع أن يجد توليفة نادرة مكنته من صناعة تجربة الهلال في أعدادها الأولى، التي بدا واضحا أنها تنوي تغيير معادلة الصحافة الأسبوعية في الأردن والخروج من توابع تجربة نايف الطورة في البلاد.
ذلك كله أصبح حلما برسم النوايا الطيبة بعد أزمة إغلاق الهلال وحبس الثلاثي المذكور، الذي كان يمثل المطبخ المهني للتجربة، ناصر قمش بانفتاحه كرئيس تحرير مستعد دائما للدخول في متاهات مطولة ووعرة للدفاع عن حرية كتابه وهامشهم المتاح، شخصية مثل المياه الهادئة التي تضطرك دائما لأن تتخذ مزيدا من الحذر، ليس هناك ضمانات أو وعود مسبقة ولكن الكثير من الحماس في العمل مع شخصية تمتلك مفاتيح استفزاز الآخرين بايجابية (وسلبية إن لم تجدي الطريقة الأولى)، رومان حداد بحماسه الذي يدفعه دائما لتبني أكثر الأفكار إثارة للجدل ،(الاحتجاجي) بحكم الانتماء والممارسة، والمثقف بأكثر ما يلزم لصحفي عصري، ومهند المبيضين الحالة المتقدمة من صوفية المعرفة، الذي يبدو وكأنه نزوة تاريخية من زمن الوراقين ومدرسة الكوفة واعتداد النحاة القدامى، ذلك كله تحول إلى تاريخ بعد محنة الحبس التي أفرزت للصحافة الأردنية صورة للصحفي ركلته التفاصيل إلى أحضان التجربة، ويبدو أن اثنين على الأقل من أفراد الثلاثي أصبحا يتعاملان مع الصحافة من منطلق جردة الحساب، ويصران ألا يخرجا من لعبتها خاسرين.
ما أكتبه وما أنوي أن أكتبه للتاريخ ، ولكنه ليس تاريخا في حد ذاته، إنها تلصصات شخصية على عالم لم أنغمس فيه بالكامل، ولست أملك القدرة على التطهر منه أيضا، إرث شخصي من الرغبة في القول التي أجهضت دائما بالصمت الاضطراري رغبة في تجنب وجع الرأس في مجادلات لا طائل من ورائها، رغبة في الاعتراف كثيرا ما ضاعت بين ذهب المعز وسيفه، ولكن ليست تاريخا بقدر ما هي فعل مضارع متصل بآلة اللوم الذاتي التي لا تهدأ، والتي تنكأها باستمرار رغبة في الانعتاق بحاجة لصيانة دائمة كيلا تتحول إلى حالة مقيمة من الهذيان.
أنوي أن أكتب ولكن ليس في سياق نظام محدد فقد اكتفيت وشبعت من جميع التعليمات وأستطيع أن أذكر مائة من الوصايا
التي كثيرا ما ظننتها مقدسة، ولم تكن في حقيقتها أكثر من خدعة للحيلولة دون تمكيني من إفساد كعكة العالم
سامح .
No comments:
Post a Comment